لوحة و قصيدة
كما قال الزعيم الأمريكي الزنجي مارتن لوثر كنغ في خطابه الرائع عندي حلم، فأنا لدي أيضا حلم، احلم بان اقدر على تطوير مهارات الطلبة لدي في التعبير عن أنفسهم، و صقل شخصيتهم من خلال الرسوم والتعبير عنها بالنصوص الشعرية و المقالة و القصة القصيرة ، الكاريكاتير، كمعلم لمادة التربية الفنية في مدارس وزارة التربية و التعليم الأردنية مع التحفظ على مسالة الوقت المتاح و الإمكانات المتوفرة.
من خلال تجربة مبدعة في أحد الصفوف، علما بان الفوف التي ادرسها هي الثامن و التاسع الاساسي، أتحت فيها الحرية الكاملة و المضبوطة أكاديميا للطلبة في التعبير بالكتابة و الرسم و مناقشة الرسوم و النصوص التوضيحية و المعبر عنها بأسلوب طفولي شاعري، و تم في تلك الحصة المقارنة في العلاقة بين النص المكتوب من قبل الطالب و علاقته بالرسم، كذلك تم نقد طريقة الإلقاء الصوتي، و التعليق على مسالة اختيار الألفاظ، و مستوى الخيال الشعري فيها، و بالمقابل كان الطالب صاحب النص يدافع عن النص و الكلمات في حالة وجود نقد شديد من قبل زملاءه، كما كان يقوم بتعديل ما يؤمن بكونه منتقصا للنص، و بروح رياضية تمت عملية إزالة الرهبة من قلب المتحدث و كان يتقبل النقد و يدافع و يصحح بأسلوب اخوي بناء و متعاون.
بعد ذلك آمنت بنجاح الفكرة و قلبت الأمر في نفسي فالأمر لا يقف فقط عند مسالة كوني اقدم طريقة جديدة في تعليم التربية الفنية، بل يتعدى ذلك لمسالة علاج و خلق شخصية حقيقية مفكرة و فاعلة من بين الأطفال، لا تتقبل الأمور على علاتها دونما نقاش، و تعطي المجتمع أفرادا مفكرين مبدعين تجاه قضايا أمتهم، يتعاملون مع الأمور بروح رياضية، يتذوقون الجميل في حياتهم، و بنفس الأوقات يعالجون مشكلاتهم النفسية الخاصة من خلال التعبير عن داخل أنفسهم و ما يعتريها من الآم دون حاجة لبث شكوى أو معالجة نفسية مباشرة، و مثل هذا تحديدا حصل عندي مع عدد من الطلبة .
لدي إحساس عميق بان هذا الأسلوب من التدريس سيترك أثرا عميقا في تكوين شخصية الطلبة حتى بعد تخرجهم من المدرسة بتفوق، هذه الفكرة ساندتني و كانت لي عزاء لما ألاقي من صعوبات تعزى في بعض الأحيان إلى الطلبة و مشكلاتهم البسيطة، أحيانا أرى نماذج مزعجة محبطة و في حالات أخرى و من حيث لا ادري جد من يبث في قلبي الهمة للمتابعة و المضي قدما، و بحثا عن التعزيز بالنسبة لي بالدرجة الأولى و الطلبة في المحصلة؛ لجأت إلى مدرسي اللغة العربية، فبرغم أن الموضوع مطروح من جانبي كمدرس لمادة التربية الفنية التي لا يحتسب لها علامات في معدل الطالب، إلا أن الموضوع له شقين أحدهما يعنى بالرسم و الشق الثاني بالأدب و التعبير الأدبي و هو من اختصاص مدرسي اللغة العربية .
ناقشت الزملاء مدرسي اللغة العربية في المسالة و أبدى العديد منهم التجاوب و الاهتمام، و من الطبيعي أن يكون هنالك تفاوت في مستويات الاهتمام إلا أن الجيل الجديد من المدرسين هم اكثر حماسا للفكرة، و كان المتفق عليه بيننا أن يتم الاهتمام بالنصوص التي يكتبها الطالب و معالجتها من النواحي الأدبية و البنائية و الإملائية، ورصد مكافئة بالعلامات للطلبة المبرزين في مادة اللغة العربية أسوة بمادة التربية الفنية.
كانت الخطوة الأولى لي أن ابحث عن دفاع و محفزات للمعلمين لاقناعهم بالفكرة فاستنتجت ما يلي :
1. إن تكليف الطالب برسم اللوحات الشعرية في القصائد و المحفوظات لهو أمر هام يساعد في تنمية و عي الطالب و تفعيل خياله و إدراكه و مشاعره نحو القضايا التي يعالجها الشعراء و الأدباء ، و بالتالي تنعكس عل الطالب بتفاعله مع محيطه .
2. هدف آخر يمكن تحقيقه من خلال موضوع لوحة و قصيدة، و هذا الهدف يكمن في خلق و تكوين التذوق الجمالي عند الطالب تجاه القضايا و الموضوعات التي يتناولها الشعراء، و التي يمكن بالتالي التعبير عنها بالرسم ( و حتى لو كانت مسالة الرسم كواجب منزلي بيتي للطالب حفاظا على عدم الخلط المباشر بين المساقين ) و مكافئة الطالب عليها بشكل علامات مشاركة في المساقين.
3. كذلك يمكن أن يفيد الطالب من هذه التجربة في حالة أن خاضها، في تنمية و إثراء كم و نوع المعلومات و الألفاظ و التعابير الأدبية لدى الطالب، أثناء اجتهاده للبحث و الاختيار بين الكلمات و المفردات التي تحاكي إحساسه تجاه القضية التي يتناولها بالرسم.
4. كما يذكر علماء النفس و المختصون في تنمية المهارات و القدرات الشخصية في نقاشهم لمسالة الحفظ، فان مما يساعد الفرد على الحفظ و التذكر، أن يقوم باستنتاج رابط معين أو أن يرسم الشكل في مخيلته بشكل ترميزي للمساعده على استرجاعه ذهنيا.
5. كذلك عملية عرض النص و الشكل على الطلبة في حصة التربية الفنية تساعد في تنمية ملكة الإلقاء و صقلها إن وجدت عند الطلبة .
6. كذلك يمكن أن نفيد من هذه التجربة في تنمية مهارات النقد و النقاش الموضوعي الواعي و البناء ، بين الطلبة.
7. إضافة لما ذكر يمكن لهذه التجربة أن تساعد في حل المشكلات الصغيرة عند الطلبة و توجيههم نحو تجاوزها بعيد التنفيس عنها ( كحلقات العلاج العامة المتبعة في البلدان المتقدمة).
8. إن متابعة معلمي اللغة العربية عن هذه النماذج من الطلبة تحفز الدافعية للتنافس لدى بقية الطلبة ممن لم يخوضوا التجربة بجدية، و تساعدهم على إبراز ذاتهم بغية الحصول على المزيد من التقدير و الاهتمام.
9. طلبة المدرس الحكومية في المدن من خلفيات اقتصادية و ثقافية متفاوتة متنوعة بين البداوة و الحضر و الريف، و تكليفهم بمثل هذه التجربة تعمل على التعرف على الآخر و احترام ذاته و بالتالي التعرف على كامل مفردات الشخصية الأردنية.
10. إن مدى اكتساب الطالب للمعارف يساعد في تقويم التنشئة السلوكية لديه، و يساعد في تنشئة جيل قويم اجتماعيا و أخلاقيا ذو شخصية و طابع مستقل.
11. و بالنتيجة نحن نصل إلى ربط للمناهج بين منهاج التربية الفنية و منهاج اللغة العربية، و نعمل على تيسير تغطية الخلل في توصيل المعلومة و تلقيها للطالب غير الموهوب، و بطريقة غير مباشرة، و نجاح مثل هذا الربط بين مادة التربية الفنية و مادة اللغة العربية يفتح الأفق تجاه ربط منهاج التربية الفنية بمناهج أخرى مثل الفيزياء و الرياضيات.
قدمت الموضوع للطلبة كما قدمته للزملاء معلمي اللغة العربية و وعدت الطلبة بمكافأتهم بالعلامات المجزية في حال إحراز تميز معين، و كلفتهم بتناول موضوعات تماشي أحاسيسهم، و بعد نقاشها و تناولها في الحصة الصفية، و كم كانت الحصة رائعة و ممتعه بالنسبة لي و بالنسبة للطلبة الذين برز من بينهم نقاد و شعراء و كتاب و رسامون و خطباء، بعد ذلك انتقيت موضوعا وطنيا و كلفت الطلبة بالتعبير عنه، فما كان من الطلبة إلا أن أبدعوا كما في السابق و من لم يحرز منهم الحظوة لدي على إبداعه الشخصي في السابق أحرزه في البحث عن ما هو قديم و تليد يعالج الموضوع الوطني الذي كلفته به، و تحقق عندي هدف جديد لم اكن ارمي إليه؛ ألا و هو البحث عن المواضيع الوطنية و استحضارها و تقمص الحالة الشعرية و تبنيها التغني بها.
اتفقت مع إدارة المدرسة على الاعتناء بالمتميزين من الطلبة بشكل ما عن البقية، و كانت عندي فكرة جمعهم ضمن ندوه أو محاضرة أو لقاء ما يوميا قبل بدء الدوام أو بعد انتهائه بنصف ساعة على الأقل لمناقشة المسائل التي تساعدهم في خلق شخصية متميزة و مبدعة، فما كان من الإدارة إلا أن اقترحت تنظيم مسابقة يتم بموجب فرز نتائجها توزيع جوائز تقديرية على النخبة المبدعة من الطلبة، و رصد لهذه العملية جائزتين تقدمهما المدرسة، فرصدت من نفقتي الخاصة بالمقابل جائزتين أخريين.
رتبت فكرة المسابقة على أن تكون مقدمه من طلبة المدرسة و بأفكارهم الخاصة و مرسومة أيضا بأقلامهم، و على أن تصبح المشاركات ملكا للمدرسة، بغية تنظيم الأعمال في معرض رسمي بداخل المدرسة.
أن جمع مثل هؤلاء الطلبة و تربيتهم الأدبية يمكن الإفادة منها للتواصل مع أقرانهم و لتجاوز العائق العمري في التفاهم بين الكبار و الصغار، فمثلا يمكن اخذ المبدعين م ن الطلبة إلى المشافي و معاينة ضحايا حوادث السير، و الالتقاء بأفراد شرطة السير و التحدث إليهم و بعد ذلك يمكن أن نكلف الطلبة بصياغة نص توعية، مكتوب و مرسوم يتم بثه بين بقية أقرانهم، و هلم جرى في بقية المشكلات التي يعاني منها المجتمع من مثل الإدمان على المخدرات و قضايا التدخين و السرقة،..... الخ.